امل ج1

الحلقة الأولى ما بعد الفجر وقبل الصباح، ذاك الوقت الفاصل ما بين ظلام الليل وشروق الشمس، هذا هو وقتها، الذي تجد فيه سكــ,,ـــــينتها، تصلي الفجر ثم تقف في شرفتها تتمتع بالنسمات العليلة مع الهدوء الذي يعم المنطقة الا من بعض الاصوات القليلة للمارة الذاهبين الى شئونهم، ان كان الى عمل او شيء آخر.
تتأمل المباني حولها وتراقب انقشاع الظلام رويدا رويدا حتى تحط الشمس بضيائها وتزين الأرض.
تتنفس هواء نقيًا، بعيدا عن الصخب والمسؤوليات المعلقة في رقبتها.
بهجة….

هذا اسمها وياليتها نالت حظها منه، او ربما كانت تناله قديما ، قبل ان ينكسر ظهرها بمو….ت الاب، الذي كان سندها رغم طيبته الشديدة والتي كانت تصل الى حد السذاجة في بعض الأحيان ، ولكنه كان حنونا ورؤوفا بها، لم يقصر ابدا في واجباته، او يتزوج بأخرى بعد وفــ,,ـــــاه الأم في ولادة اصغر أبناءه عائشة
لتحمل بهجة المسؤولية معه منذ الصغر ، ثم تتولاها كاملة بعد وفاته في دــ,,ـــــادث سيارة غادر، لم يعرف أحد بالسائق المتهور الذي دهسه اثناء ذهابه للعمل.

وتبدأ هي مرحلة جديدة تفصلها تماما عن السابق من عمرها، حيث اكتشاف الغدر من اقرب الأشخاص اليها، وانقشاع الغمامة التي كانت تعصب عينيها عن معرفتهم الحقيقية ونفوسهم السوداء، تبًا لتلك الطيبة التي ورثتها عن والدها، وقد كانت من أهم اسباب قهرها في كثير من الأحيان، حتى اشتدت عظامها ونضجت مع مرارة الأيام.
– يا بهجة يا بهجة، انا صحيت يا جميل، فين الفطار؟
كان هذا الصوت المميز لشقيقها، بنبرة خشنة اكتسبها حديثًا مع بدء بلوغه لمرحلة الرجولة رغم صغر سنه.
تحركت لتخرج اليه من غرفتها تهتف بردها:

– حالا يكون جاهز يا سيادة الدكتور المستقبلي، على ما تكون غسلت وشك وصليت الصبح
بعد مدة من الوقت
وقد استيقظ الجميع لتناول الفطور مع بهجة التي اعدته كالعادة قبل ان ترتدي ملابس الخروج للعمل ، وهي الاَن في انتظار البقية لتخرج أخرهم.
خرج شقيقها ايهاب من غرفته اثناء تصفيفها هي لشعر شقيقتها الصغرى، يهديها قبلة قي الهواء وهو في طريقه للذهاب من المنزل:
– سلام يا بيبو ، اركِ اليوم حين اعود .
ضحكت مرددة خلفه:

– ترجع بألف سلامة يا قلب بيبو
بعث لها قبلة اخيرة، ثم اندفع مغادرًا، لتعود هي الى حديث شقيقتها الثرثارة:
– والله زي ما بقولك كدة يا بيبو، بنت عمك كانت رايحة جاية تتقصع قدام شادي وتلاغيه بالكلام قدام خطيبته صبا لحد ما كشرتلها وكانت عايزة تفط في كرشها.

– تفط في كرشها كمان، ياه على الفاظك يا ست عائشة، بتجيبيها منين دي يا بت.؟
– من الشارع ههه
تمتمت بها عائشة ردا على شقيقتها، لتتبادلا المزاح لحظات حتى انتهت من عمل ضفيرتين لها، لتتركها بعد ذلك تنظم حقيبتها والجدول الدراسي، ثم تأخذها وتذهب بها،
وقبل كل ذلك، دلفت بهجة لغرفة شقيقتها الوسطى جنات، والتي استيقظت لها فور دخولها تستقبلها
– صاحية يا بيبو اطمني.
– ولما انتي صاحية مبتقوميش ليه؟
تمتمت بها بهجة تضر….بها بخفة بالمنشفة القطنية، فضحت لها جنات تقول باستسلام:
– بريح شوية يا ست، لسة راسي تقيلة .

كرمشت بهجة ملامحها بامتعاض مزيف، لتخرج من حقيبتها الصغيرة عدد من الاوراق المالية تعطيهم لها:
– طب خدي يا ختي المصروف على ما رفعتي راسك التقيلة من ع المخدة وقومتي.
– من ايد ما نعدمها يارب.
قالتها جنات وهي تقبلهم برضا، لتتوقف شقيقتها بتأثر،
لهذه الكلمات البسيطة التي تتلقاها من اخوتها، فتزيح عن كاهلها المشقات وعلقم الأيام الذي تتجرعه في عملها والتعامل مع غابة البشر ، فتهون عليها الصبر والتضحية من اجلهم .
استدركت فجأة قبل ان تتحرك ، لتسألها بتذكر:

– استني يا هنا ، هو انتي مش عندك برضوا مصاريف جامعة والكارنيه بتاع الطلبة.
تغضنت ملامح جنات بحرج لتعتدل بجذعها قائلة بتهوين:
– مااا مش مهم بقى الكارنيه والحاجات دي ، انا بحاول اتصرف واخش سرقة مع البنات ، وان كان ع الكتب برضوا تدبر ان شاء الله.
ابتعلت بهجة غصة مؤلمة بحلقها، للإحساس العجز الذي يتملكها في كل مرة لا تقدر على سد احتياجات اشقائها، وخجلهم الدائم بأن لا يزيدو عليها من الهموم.
لتتنهد رافعة ذقنها بابتسامة نحو شقيقتها:
– وتدخلي سرقة ليه ولا تحتاجي للسلف من اصحابك الكتب ؟

انا هدبرهم في اقرب وقت أن شاء الله، وانتي متخبيش عني تاني حاجات مهمة زي دي، دا مستقبلك يعني مينفعش التقصير فيه، ولا انك تعرضي نفسك للاحراج او الإهانة من حرس الجامعة لو اتقفشتي من غير كارنيه، سامعاني.
اومأت جنات بطاعة رغم الحزن الذي يتملكها في كل مرة تزيد بمتطلباتها على شقيقتها الحنون، والتي تضحي بزهرة شبابها من اجلهم ، وحلم الزواج كباقي الفتيات من عمرها قد تبخر ادراج الهواء، بعد صدمتها وتطليقها من ابن عمها الخسيس قبل ان يتم فرحه عليها او يتزوجها، صاغرا لأمر والدته المتجبرة، والتي لم يكف اذاها لهم حتى الاَن.

❈-❈-❈
بعد قليل
كان خروج بهجة من شقتهم في تلك البناية المكونة من أربعة طوابق، يسكن الطابق الارضي الحاجة صبرية مالكة المنزل، وفي الطابق الثاني خميس الراوي وعائلته، اما الثالث فذلك مسكن بهجة واشقائها بعد وفــ,,ـــــاه الوالد ، فيتبقى الرابع وذلك الذي بني حديثًا منذ سنوات قليلة، ليكون شقة الزوجية لسمير ابن خميس الرواي وابن عم بهجة الذي كانت على وشك الزواج به لولا مو…..ت الوالد وما حدث من مشاكل بعدها افسدت كل شيء حتى حدث وانفصل عنها، رغم عقد قرانه به لأكثر من شهور، ليتزوج بأخرى، وتنفض هي عنها فكرة الزواج على الإطلاق، لتقوم على تربية اخوتها ورعايتهم

حتى تطمئن عليهم، وقد ساهم هو بغبائه في تأصيل القرار داخلها بعدما رأت منه ومن عائلته خسه ووضاعة جعلتها تفقد الثقة في جميع الرجال.
ولكنها جميلة وليست كامرأة عادية، تمر امام الخلق فتلفت ابصار الجميع نحوها، حتى وهي تتعمد عدم الاهتمام وارتداء الملابس الواسعة التي تفتقر للأناقة،

السابقانت في الصفحة 1 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0